الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

368

نفحات الولاية

من ذوي حبّ الذات يتعلقون بشدة بأحاديثهم المبتدعة ؛ التعلق الذي يؤدي إلى دعوة الآخرين إلى الضلال والانحراف . القرآن أيضاً يقول : « وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إِلّا فِي ضَلالٍ » « 1 » ، وسنتطرق في الأبحاث القادمة - تأملات - إلى حقيقة البدعة ودوافعها ونتائجها . أمّا الوصف الرابع « فهو فتنة لمن افتتن به » . وفي الصفة الخامسة والسادسة « ضال عن هدى من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته » . المراد بمن كان قبله الأنبياء وأوصيائهم بالحق ؛ في إشارة إلى اتضاح سبيل الهداية مسبقاً بما لا يدع من مجال لسلوك طريق الضلال ؛ مع ذلك فقد ولى ظهره لسبيل الهداية والقى بنفسه في ظلمات الضلال . والأنكى من ذلك أنّ اضلال هؤلاء الأفراد للآخرين لا يقتصر على حياتهم فهم مدعاة للضلالة حتى بعد وفاتهم ، فهم شركاء في هذه الضلالة ، حيث ورد في الحديث النبوي المشهور : « من سنّ سنّة حسنة عمل بها من بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ، ومن سنّ سنّة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من اوزراهم شيئاً » « 2 » . فالعبارة تحذير حاد لُاولئك الذين يحثون الخطى نحو البدع ويشيدون صروح الضلالة ، في أنّ شقائهم وبؤسهم سوف لن يقتصر على حياتهم بل قد يتجاوز حتى مماتهم بآلاف السنين وعليهم أن يدفعوا كفارة تلك البدع ويستعدوا لتحمل تبعاتها . كما ورد عن الإمام علي عليه السلام تحذير شديد آخر في الخطبة 164 حيث قال : « وإنّ شر الناس عند اللَّه إمام جائر ضل وضل به فأمات سنة مأخوذة وأحيى بدعة متروكة » وأمّا الوصفان الأخيران المترتبان على الصفات السابقة فهما « حمال خطايا غيره ، رهن بخطيئته » فالعبارة ليست كلاماً تعبدياً ؛ بل هي منطقية تماماً . وذلك لأنّ أية معونة ومساعدّة في ارتكاب الذنب تعدّ شركة فيه ؛ ولما كان أتباع هؤلاء المضلين يقارفون الذنوب بمحض إرادتهم فلا ينقص من ذنبهم شيئاً ، وهذا ما أشار له القرآن الكريم صراحة في الآية 25 من سورة النحل إذ قال « لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً

--> ( 1 ) سورة رعد / 14 . ( 2 ) ميزان الحكمة 4 / 566 ، كما ورد مضمون هذا الحديث في عدّة روايات نقلتها أغلب الكتب .